ابن عربي

7

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

إن اللّه سيذكّر عباده يوم القيامة بما شهدوا به على أنفسهم في أخذ الميثاق فيقولون : « رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ، وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ؟ » [ « قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . . . » الآية : ] أي كما قبلنا حياة بعد موت ، وموتا بعد حياة مرتين ، فليس بمحال أن نقبل ذلك مرارا ، فطلبوا من اللّه أن يمن عليهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا ما يورثهم دار النعيم ، وحين قالوا هذا لم يكن الأمد المقدر لعذابهم قد انقضى ، ولما قدر اللّه أن يكونوا أهلا للنار ، وأنه ليس لهم في علم اللّه دار يعمرونها سوى النار ، قال تعالى : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) ليدخلوا النار باستحقاق المخالفة . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 12 ] ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) فهو تعالى « الْعَلِيِّ » الظاهر إلى عباده بنعوت الجلال « الْكَبِيرِ » ليعلم العبد أنه محل للتوفيق ونقيضه ، وأنه لا حول ولا قوة إلا باللّه على ما أمر به ونهى عنه ، فالحكم للّه العلي الكبير - راجع سورة سبأ آية 23 . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 13 إلى 15 ] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ » [ « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ . . . » الآية ] فالرفعة له سبحانه بالذات ، وهي للعبد بالعرض ، وجعل له سبحانه درجات يظهر فيها لعباده ، فإن لكل اسم من الأسماء الإلهية مرتبة ليست للآخر ، والمراتب لا تتناهى وهي الدرجات ، وفيها رفيع وأرفع ، وما ثمّ رتبة إلا رفيعة ، وتقع المفاضلة في الرفعة ، ودرجات الحق ليست لها نهاية ، لأن التجلي فيها وليس له نهاية ، ومن جهة أخرى